وسم- تتسارع وتيرة التغيرات المناخية في منطقة الشرق الأوسط خاصة خلال العامين الأخيرين وسط ارتفاع كبير على كميات الأمطار وبداية امتدادها إلى غير موعدها وتكرار ذلك خلال السنوات الأخيرة ضمن ظواهر جوية لم تحدث أبدا في السجلات المناخية الحديثة نتيجة ظاهرة "الانعكاس المناخي" ، لكن ما الذي يحدث؟
عبر دراسات هامة أطلقها مركز وسم الإقليمي عن الأسباب العلمية وراء ارتفاع معدلات الأمطار وامتدادها إلى غير وقتها المعتاد أيضا، تبيّن السبب في سلوك غير معتاد على التيار النفاث في الطبقات العليا من الجو، والذي بدأ يصبح متموجاً بشدة في منطقة المحيط الأطلسي والبحر المتوسط والقارة الأوروبية.
تموّج حاد للتيار النفاث|
التيار النفاث هي تيارات هوائية شديدة السرعة تهب على ارتفاع بين 9 و 12 كيلو متر فوق سطح البحر، وهي تتواجد في نطاق يفصل الكتل الهوائية الحارة عن الباردة والمسؤولة عن الاضطرابات والتقلبات الجوية الحادة وتنظيم الغلاف الجوي، إنه نظام يدير دفة الأنظمة الجوية بشكل عام.
التيار النفاث بدأ يتغير بشدة مع ارتفاع درجات حرارة المحيطات والبحار خلال السنوات الأخيرة، خاصة في القارة الأوروبية والمحيط الأطلسي والبحر المتوسط.
ومع ارتفاع حرارة منطقة البحر المتوسط خلال السنوات الأخيرة، وجدنا ضعفا واضحا على التيار النفاث في منطقة جنوب أوروبا وخاصة حول فرنسا وإيطاليا، وانقساما جزئيا، هذا الضعف كان يتوزع بوضوح نحو شمال مصر وشرق المتوسط أيضا، تسبب ذلك في سهولة اندفاع الرياح الحارة من الصحاري الكبرى نحو أوروبا وتضاعف عدد موجات الحر واشتدادها بشكل غير مسبوق.

انحناء حاد للتيار النفاث في أوروبا والبحر المتوسط وشرق المحيط الأطلسي
تسبب ذلك في تموجات للتيار النفاث، وارتفاع الحرارة في القارة الأوروبية، زيادة حدة موجات الجفاف والحرارة، هذا التموج تسبب في نقل الكتل الأقل حرارة نحو جنوب شرق أوروبا وشرق البحر المتوسط مما بدأ يتسبب في بداية ظاهرة "الانعكاس المناخي" التي بدأت تتضح من منذ عام 2015 وتسارعت خلال السنوات الأخيرة.
ما تسبب في تسارع وتعزيز تموج التيار النفاث هو ظهور مفاجئ لمياه باردة شمال المحيط الأطلسي والناتجة من خلل الملوحة هناك نتيجة ذوبان الجليد المتسارع في شمال المحيط الأطلسي، وتسبب ذلك في خلل كبير في اتجاه وسرعة تيار خليج المكسيك الدافئ.
ونتيجة لذلك لوحظ انحراف مفاجئ وحاد للتيار النفاث "القطبي" والمهم جدا في مسار العواصف الأطلسية والغربيات الأطلسية التي تغذي أوروبا الغربية بالأمطار المتوصلة والأجواء الباردة، نتج عن ذلك خللا كبيرا في مسار هذه الغربيات، وانحناء التيار النفاث القطبي وضعفه، مما أدى لتحوّل جزء هام من الغربيات الأطلسية بعيدا نحو أقصى شمال أوروبا.
ومع ربط ذلك بضعف التيار النفاث "شبه الاستوائي " في البحر المتوسط، سيؤدي ذلك انحناء وتموّج شديد جدا للتيار النفاث في البحر المتوسط نحو أوروبا، مؤديا لتعاظم الموجات الحارة ومكوثها الطويل هناك، ثم انحناء التيار النفاث القطبي جهة شرق أوروبا وجنوب شرقها وشرق البحر المتوسط.
هذا النظام سيستمر لفترة طويلة ولا نتوقع تعافي هام للغربيات الأطلسية خلال السنوات القليلة المقبلة مع استمرار ضعف تيار الخليج المكسيك الدافئ مسببا تعاظم وتسارع ظاهرة "الانعكاس المناخي" بين أوروبا الغربية ومناطق البحر المتوسط، ونربط ذلك "بالمعدلات المناخية والموسمية" وليس بالقيمة الفعلية، ولتبسيط ذلك، فإن ظاهرة الانعكاس المناخي ستؤدي إلى أمطار وبرودة أكثر من المعتاد في البحر المتوسط وخاصة شرقه، وحرارة وجفاف أكثر من المعتاد في أوروبا الغربية بالنسبة للمعدلات المناخية.
الخلل في التيار النفاث مع ربط ذلك بالنموذج المناخي لمركز وسم الإقليمي سيطول كثيرا، بسبب الخلل الكبير في مسار تيار خليج المكسيك الدافئ الذي لا يتوقع أن يتعافى قريبا.
ظاهرة النينيو القوية ستعزز كثيرا من تسارع هذا التغير المناخي خلال الشهور المقبلة وستعمل على تضخيم هذا التغير وإطالة فترة تأثيره، ليس لدينا تصورا واضحا على مدى استمرارية ظاهرة الانعكاس المناخي وذا كانت تغير مناخي طويل الأمد أو دورة مناخية تستمر لعدة سنوات.

ظاهرة النينيو المناخية ستؤدي إلى تسارع التغيرات المناخية وظاهرة الانعكاس المناخي، مع ملاحظة المنطقة الباردة شمال الأطلسي
الانعكاس المناخي|
إن ظاهرة الانعكاس المناخي بين أوروبا والبحر المتوسط هو مصطلح جديد قمنا نحن في مركز وسم الإقليمي بإطلاقه لتبسيط مفهوم التغير المناخي في المنطقة للجمهور والمتخصيين، بعيدا عن تعويم مفهومه على أنه مجرد "حرارة وجفاف" كما يشاع في العديد من وسائل الإعلام نظرا لسوء فهم طبيعة التغيرات المناخية.
الانعكاس المناخي ظاهرة ناتجة من التغير المناخي الذي تسبب في تغير مسار التيار النفاث وضعفه الحاد وتموجه الكبير بسبب تغيرات حادة في درجات الحرارة في المحيط الأطلسي والبحر المتوسط، هذا التغير بدأ منذ 15 عاما تقريبا وتسارع في السنوات الأخيرة.
النتائج الأولية لهذه الظاهرة التي بدأت تتسارع أدت إلى ارتفاع كبير على كميات الأمطار في منطقة بلاد الشام والجزيرة العربية وشمال مصر ووسط وجنوب العراق ومناطق واىسعة من منطقة الخليج العربي وهي أبرز تغير مناخي حصل في السنوات الأخيرة.
الأمطار غير الموسمية الصيفية التي بدأت تزداد كثيرا في السنوات ناتجة من هذه الظاهرة "الانعكاس المناخي" فانحناء التيار النفاث نحو أوروبا والتسبب باشتداد موجات الحر والجفاف، يؤدي نتيجة لذلك إلى انتقال الهواء الأبرد من المعتاد نحو البحر المتوسط والجزيرة العربية واشتداد الحالات الماطرة.
التوقعات خلال السنوات المقبلة|
مع تشغيل النموذج المناخي لمركز وسم الإقليمي وربط هذا التغير في العوامل المناخية وفترات التشابه خلال السنوات السابقة، وجدنا تغيرا حاد في طبيعة تنظيم الغلاف الجوي، فحتى في السنوات التي يفترض أن تشهد أوروبا أمطارا أعلى من المعدل، أصبحت النتائج لفترات أكثر دفئا وجفافا من المعتاد، والنتائج الأكثر تطرفا كانت تأتي في اشتداد موجات الدفء والجفاف في السنوات التي يفترض أن تكون جافة ( كما هو متوقع الموسم المقبل) مما سيعكس تطرفا حادا في الحالات الماطرة في منطقة البحر المتوسط وخاصة شرقه.
مع توقع استمرار ظاهرة النينيو الحالية لمدة عامين على الأقل نتيجة عوامل غير مسبوقة تحدث في أعماق المحيط الهادئ واستمرار ارتفاع الحرارة نسبيا في منطقة شرق المحيط الهندي على عكس ما يحدث عادة في هذه السنوات، فإن ذلك سيعزز كثيرا من تسارع ظاهرة الانعكاس المناخي واشتدادها السنوات المقبلة.
وبالرغم من وجود فرضيات تتحدث عن انعكاس مناخي عالمي يؤدي إلى انخفاض الحرارة بشكل كبير نتيجة سلوك تيار الخليج المكسيك الدافئ، إلا ان ذلك سيحتاج وقتا طويلا نوعا ما قد يستمر لعدة سنوات ومن الصعب تقدير ذلك نظرا لغياب المعلومات الإرشيفية وعدم دقتها.
ويعتبر هذا التقرير ناتج من أبحاث علمية دقيقة قمنا بها في مركز وسم الإقليمي، والتغيرات واردة دائما في الغلاف الجوي، فالنتائج والتوقعات ليست حتمية وإنما مبنية على دراسة علمية قمنا بها، وتميزت دراساتنا بالدقة في السنوات الأخيرة، وكنا المصدر الوحيد الذي توقع هذه الظاهرة ونتائجها على أوروبا ومنطقة البحر المتوسط والجزيرة العربية، إلا أن ذلك لا يعني نجاح الدراسات والتنبؤات طويلة المدى دائما.
